العدد صفر :  2005م / 1425هـ

     رجوع     التالي     أرشيف المجلة     الرئيسية

.

فبالنتيجة تحديد مجالات مناسبة الحكم للموضوع هذا بحثٌ دلاليٌ لا بد منه.

نأتي مثلاً: إلى القرينة السياقية, فما معنى القرينة السياقية؟, فالسياق عندنا على أقسام: 

1 ـ سياق الجملة: وهو ما يسمى بالسياق الإسنادي.

2 ـ سياق الخطاب.

3 ـ سياق روايات الباب.

إذاً: فالسياق على أقسام حيث قد يكون سياقاً في نفس الجملة, وقد يكون سياقاً للخطاب المشتمل على مطالب متعددة, قد يكون سياقاً لروايات بابٍ معين كباب من أبواب الحج أو باب من أبواب الصلاة وأشباه ذلك, فأي سياقٍ يُعدُ قرينةً نوعيةً ويعتمدُ على أساسه في مجال تحديد الظهور !

فهذا بحثُ دلاليٌ لا بد من بحثه وخوضه في مجال تطوير وتجديد أدوات الاستنباط.

3 ـ المثال الثالث: هو طرق استكشاف الملاك, فنحن نجد أن لدى المذاهب الإسلامية الأخرى باباً باسم " علم مقاصد الأحكام " فهذا العلم ألغاه علماؤنا باعتبار أن الاستحسان والقياس وسد الذرائع والمصالح المرسلة لا حجية لها بنظر المذهب الإمامي, ولكن نجد بين علمائنا من يتحدث عن شيءٍ من هذا القبيل, فمثلاً: نحن عندما نقرأ في كتاب تعارض الأدلة الشرعية للسيد الشهيد (قده) نجد أنه يذكر من مرحجات النصين المتعارضين الترجيح بموافقة الكتاب ثم يتحدث عن ما هو المراد من موافقة الكتاب ويذكر أن من المرجحات الموافقة الروحية فما معنى الموافقة الروحية؟, فهؤلاء يقولون علم المقاصد وأنتم تقولون روح الآية أو روح الحكم وأن روح الحكم قوامه بروحه فينتفي بانتفاء روحه, جيد كيف يمكننا أن نحدد روح الحكم؟ كيف نحدد الروح التي بها قوام الحكم؟ كيف نحدد روح القرآن؟ كيف نحدد روح الإسلام؟ وأشباه ذلك من التعبيرات التي نقرأها من دون وضع ميزان دقيق لها يحدد حدودها بشكلٍ جذري وبشكل دقيق.

إذاً: نحن نحتاج ضمن علم الأصول إلى بحث يبيّن لنا الطرق التي من خلالها نستطيع أن نحدد روح الحكم, روح الآية, روح الرواية, روح الإسلام، كما يعبرون، نحتاج إلى بحث يتعلق بتحديث طرق استكشاف الروح وطرق استكشاف الملاك.

4 ـ المثال الرابع: وهو طرق توثيق النص, فمثلاً: من المعلوم أن في علم الأصول مسلكين, أحدهما: يقول إن موضوع الحجية خبر الثقة , والأخر: يقول إن موضوع الحجيّة هو الوثوق.

فمن يقول بالمسلك الأول: فهو في راحة ولا عمل له.

أما من يقول بالمسلك الثاني: وهو أن موضوع الحجية هو الوثوق , فهذا بحاجة إلى عقد بحث, فما هي طرق تحصيل الوثوق؟.

العلوم الأخرى بحثت هذا البحث بشكلٍ مفصل. (فإن طرق توثيق النص) تعني الطرق العقلائية العلمية التي من خلالها نستطيع أن نصل إلى توليد الوثوق بصدور الرواية سواءً كان المخبر ثقة أو لم يكن ثقة, فمثلاً: موافقة الرواية لأصول المذهب هذا من طرق التوثيق, وموافقة الرواية لسياقها التاريخي الذي صدرت منه، هذا من طرق التوثيق, وموافقة لغة الرواية للغة المتكلم, فكل متكلم له لغة، وكل إمام له لغة فموافقة الرواية لغة الراوي، وموافقة نفس الرواية للغة المتكلم والمتحدث هذا الطريق من طرق توثيق النص.

إذاً: عقد بحثٍ يتعلق ويتكفل تحديد طرق توثيق النص بناء على أن مناط الحجية وموضوع الحجية هو الوثوق. هذا بحث أيضا لا بد من بحثه في مجال علم الأصول.

من الأمثلة أيضاً: التي أذكرها هو أننا نرى أن النصوص إذا تعارضت فالأعلام يبحثون في كيفية حل التعارض, إلى الآن لم تقسم النصوص على أساس تاريخي, فمثلاً الإمام الصادق (عليه السلام) عاش خمساً وستين سنة، ونفترض أنه بدأ يتحدث منذ أن أصبح له من العمر عشر سنوات. فهل قسمت النصوص الصادرة عن الإمام الصادق(عليه السلام) على أساس تاريخي؟.

ربما يقول قائلٌ وما الجدوى في ذلك؟.

نقول: أنه يوجد من العلماء من يرى الترجيح بالأحدثية, حيث من جملة مرجحات أبواب التعارض الترجيح بأحدث الروايتين على الرواية الأسبق, فحينئذٍ تقسيم النصوص على أساس تاريخي يكون نافعاً في تحقيق هذا المرجح بناءٍ على قبوله.

ونرى أن كثيراً من النصوص حاكمة على النصوص الأخرى لا بلسانها كما في حكومة دليل على دليل آخر, فهل هي من الشؤون اللسانية؟ بمعنى هل الحكومة من صفات اللسان بأن يكون للسان الرواية حكومة وإلا فلا يكون الدليلُ حاكماً؟ أم لا بل أن الحكومة متقومة بالنظر، بمعنى نظر دليل لدليل آخر وهذا النظر كما يتحقق بقراءة لسان الرواية فإنه يتحقق بقراءة السياق التاريخي أيضاً بين الروايتين.

إذاً: تقسيم النصوص على أساس تاريخي يجدي كثيراً في العديد من البحوث الأصولية خصوصا في مجال تعارض الأدلة.

ومن الأمثلة أيضاً: بحث فلسفة الحقوق، وهو بحث موجود في علم القانون ولكن ليس له ذكر في الحوزة إطلاقاً، مع أنه بحث مفيدٌ جداً لأننا مبتلون بالحقوق المستحدثة, نحو: (حق الطبع, حق النشر, حق البراءة العلمية فهذه الحقوق  أختلف علماؤنا بها فمنهم من لا يراها شرعية لأنها لم تكن معاصرة لزمان المعصوم حتى يستكشف من سكوته عنها إمضاؤه لها كما ذهب السيد الخوئي (قده) وجملة من تلامذته, وقسم يحاول أن يدخل هذه الحقوق تحت نكتة الحيازة حيث إن المرتكز العقلائي قام على مُمَلِّكيَّة الحيازة. وقسمٌ يحاول أن يدخل هذه الحقوق تحت حق الاختصاص المبني على بذل الجهد والطاقة في حيازة مكان معين أو الاختصاص بمكان معين, فطريق فلسفة الحقوق عندما يفتح بابه تستكشف النكات العقلائية التي على أساسها تبلورت هذه الحقوق؛ فهذه الحقوق ترجع إلى جذور عقلائية ممتدة إلى أزمنة وقرون سابقة, فبحثُ فلسفة الحقوق يسلط الضوء والنظر إلى معرفة الجذور والامتدادات لهذه الحقوق التي من خلالها يمكن إرجاع بعض الحقوق إلى البعض الأخر, وإدخال بعض الحقوق في البعض الأخر، والوصول إلى حلول شرعية في الكثير من الحقوق المستحدثة, إذاً: ما ذكرته كان بعض الأمثلة التي قد تثار على مستوى البحث والنقد والنظر لتجديد أدوات الاستنباط ولتطوير أدوات الاستنباط.

الموقع الثالث: من مواقع التجديد هو التجديد في صياغة الحكم:

وبعد الفراغ عن التجديد في نفس الحكم أو التجديد في طريق الحكم نصل إلى التجديد في صياغة الحكم وهنا أمامنا مجالان:

الأول: هو مجال الكتب والمقررات الحوزوية.

والثاني:  هو مجال الرسائل العملية.

1 ـ فالأول: وهو التجديد في مجالات الحوزة أمرٌ معروفٌ ومطلوب عند الكثيرين, فكتابة المقررات الحوزوية أمر مطلوب بما ينسجم مع أساليب التربية العلمية, بحيث تكتب المقررات الحوزوية بنحوٍ يساهم في تأجيج روح البحث العلمي, وبنحوٍ يساهم في تربية الطالب وتنميته بأقل زمن وأسرع وقت دون أن تتنافى مع الكتب القديمة, بل الصياغة تختلف, والمطلوب كتابة الصياغة التي تحافظ على دقة المطلب وعمقه وتركيزه, وبالإمكان تأسيس لجان من الفضلاء لصياغة هذه الكتب بنحو ينسجم مع تأجيج الروح العلمية وتحافظ على دقتها وعمقها وتركيزها.

2 ـ وأما الثاني: وهو مجال الرسائل العملية, فالسيد الشهيد(قده) في مقدمة الفتاوى الواضحة أشار إلى هذه الضرورة وإلى هذه الحاجة المعاصرة والتي تستدعي صياغة الرسائل العملية بأسلوب يستفيد منه كل من أراد الوصول إلى الحكم الشرعي, وهنا أقول شيئاً آخر غير ذلك وهو: إن لغة الرسائل العملية تحتاج إلى أن تكون منسجمةً مع الواقع المعاصر لحاجة الإنسان, فمثلاً: من المعلوم أن الرسائل العملية الموجودة الآن كتبت بالتبويب المعروف " باب الصلاة, باب الصوم, باب الزكاة, وباب الخمس, إلى آخره من أبواب العبادات والمعاملات " هذه الكتابة وهذا التبويب يتطابق مع الكتب الحديثية ككتاب الوسائل والكافي وما شابه ذلك. فنحن نحافظ على هذا التبويب باعتبار أنه امتداد لكتابة المقررات الحديثية, ولكننا نحتاج إلى تبويب آخر, نحتاج  إلى رسالة عملية تبوب ضمن:

1 ـ فقه المستشفى فإنه فقه قائمٌ برأسه.

 2 ـ فقه الطفل أيضاً فقهٌ قائمٌ برأسه.

   3 ـ فقه المرأة فقهٌ قائمٌ برأسه.

   4 ـ فقه البنك فقهٌ قائمٌ برأسه.

إذاً: نحن انفتحنا على أبواب وأقسام تحتاج إلى أن يخصص لها مجال في صياغة الرسالة العملية, صحيح قد تتداخل بعض المسائل, نحو مسائل فقه الطفل مع فقه الأسرة, ولكن إذا كان عندنا التصميم على هذه الصياغة سوف تخضع لدراسة دقيقة نتفادى فيها هذا التداخل وهذا التمازج في بعض المسائل أو في بعض الأبواب, فصياغة الرسالة العملية بتبويب ينسجم مع الحاجة المعاصرة  للإنسان المسلم أيضاً. هذا مظهر من مظاهر التجديد في صياغة الحكم.

النقطة الثانية: وهي البراهين التي سيقت عن التجديد:

نحن الآن لا نتكلم عن صياغة الحكم بل نتكلم عن التجديد في نفس الحكم.

وقد برهن على ضرورته ببرهانين:

1 ـ البرهان الأول: وهو برهان فلسفي (كل شيءٍ في الوجود فهو متغير, وأن التغير العرضي كاشفٌ عن التغير الجوهري , وأن جميع هذا الوجود يسيرُ في حركةٍ جوهريةٍ تعيش التغير)

إذاً: فالتغير العرضي كاشفٌ عن التغير الجوهري, والحركة العرضية كاشفة عن الحركة الجوهرية, فإذا كان كلُ شيءٍ خاضعاً لقانون الحركة وخاضعاً لقانون التغير فلماذا يكون الدين ثابتاً وغير متغير؟!, فكون الدين ثابتاً تخصيصٌ في القاعدة العقلية, والقواعد العقلية غيرُ قابلةٍ للتخصيص, وعليه فما معنى أن الدين ثابت والحال أن العقل حاكمٌ بأن كلَّ شيء خاضعٌ لقانون الحركة والتغير؟.

ويجاب على هذا البرهان الفلسفي: بأن هناك فرقاً بين المادي وبين المجرد, فالتغير فرع الحركة والحركة فرع قابلية الشيء لجهة وجدان وجهة فقدان فالحركة فرعُ أن يمتلك الشيء قوةً من جهة وفعليةً من جهةٍ أخرى, وجدانًا من جهة وفقدانًا من جهة أخرى, ومن الواضح كما في الحكمة أن الوجود الذي يمتلك جهتي وجدان وفقدان وجهتي قوة وفعلية هو مادي.

 وأن المجرد هو فعليةٌ محضة لذلك فالمجرد خارجٌ عن قانون التغير موضوعا لا حكماً كي يكون من قبيل التخصيص في الأحكام العقلية, وإنما التغير يكون في الماديات، كما أن هناك فرقًا بين التغير في القانون وبين التغير في الظاهرة, فالقابل للتغير هو الظاهرة وأما القانون الذي يحكم الظاهرة فهو غير قابلٍ للتغير, فمثلاً كما يقال: أن الماء يتغير من ظاهرة التجمد إلى ظاهرة السيلان إلى ظاهرة الغليان إلى ظاهرة البخار, فالماء يتغير من ظاهرة إلى ظاهرة وهذا مسلم به.

أما القانون الذي يحكم هذه الظاهرة المتغيرة فهل هو متغير؟ لا هو غير متغير بل هو ثابت غير قابل للتغير والذي يتغير على مستوى الماديات هو الظواهر، وأما القوانين التي تحكم هذه الظواهر فهي غير قابلة للتغير.

مضافاً إلى المناقشات الجدلية نحو  (كل شيء يتغير) فهل هذه المقولة مما لا يتغير أو مما يتغير؟

فإن كانت مما لا يتغير: فإذاً ليس كل شيء يتغير وهذا خلف, ولم تعد قاعدة كلية.

وإن كانت مما يتغير: فلم تكن قاعدة يصح الاستناد إليها مع قابليتها في حد ذاتها للتغير. وأشباه ذلك من المناقشات.

يتبع =

أعلى الصفحة     محتويات العدد     أرشيف المجلة     الرئيسية